الشوكاني

201

نيل الأوطار

إني بليت بأهل الجهل في زمن * قاموا به ورجال العلم قد قعدوا اه . ومما يؤيد ما تقدم من التأويل للحديث المذكور ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة يرفعه : من قاتل تحت راية عمية فغضب لغضبه أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية وقد قدمنا ما هو أبسط من هذا الكلام في باب دفع الصائل ، وباب أن الدفع لا يلزم المصول عليه من كتاب الغصب فراجعه . قوله : فقيل هذا القاتل فما بال المقتول القائل هو أبو بكرة كما وقع مبينا في رواية مسلم ، ومعنى ذلك أن هذا القاتل قد استحق النار بذنبه وهو الاقدام على قتل صاحبه فما بال المقتول أي فما ذنبه ؟ . قوله : قال قد أراد قتل صاحبه في لفظ للبخاري في كتاب الايمان أنه كان حريصا على قتل صاحبه . ( وقد استدل ) بذلك من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل . وأجاب من لم يقل بذلك أن في ذلك فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال ، ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة ، فالقاتل يعذب على القتال والقتل ، والمقتول يعذب على القتال فقط ، فلم يقع التعذيب على العزم المجرد ، ويؤيد هذا حديث : أن الله تجاوز لامتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا . قال في الفتح : والحاصل أن المراتب ثلاث : الهم المجرد وهو يثاب عليه ولا يؤاخذ به ، واقتران الفعل بالهم أو بالعزم ولا نزاع في المؤاخذة به ، والعز وهو أقوى من الهم وفيه النزاع . قوله : يتوجأ أي يضرب بها نفسه ، وحديث جندب البجلي وأبي هريرة يدلان على أن من قتل نفسه من المخلدين في النار ، فيكون عموم إخراج الموحدين مخصصا بمثل هذا وما ورد في معناه كما حققنا ذلك مرارا . وظاهر حديث جابر المذكور يخالفهما ، فإن الرجل الذي قطع براجمه بالمشاقص ومات من ذلك أخبر بعد موته الرجل الذي رآه في المنام بأن الله تعالى غفر له ، ووقع منه صلى الله عليه وآله وسلم التقرير لذلك بل دعا له . ويمكن الجمع بأنه لم يرد قتل نفسه بقطع البراجم وإنما حمله الضجر وما حل به من المرض على ذلك ، بخلاف الرجل المذكور في حديث جندب فإنه قطع يده مريدا لقتل نفسه ، وعلى هذا فتكون الأحاديث الواردة في تخليد من قتل نفسه في النار وتحريم الجنة عليه مقيدة بأن يكون مريدا للقتل . وقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة قال : شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لرجل ممن